عبد القادر الجيلاني

33

فتوح الغيب

قلت : هذا من جهة الرب تبارك وتعالى . فالأولتان : العبادة ، والاستعانة . والآخرتان : الطاعة ، والمعصية . فالذهاب إلى اللّه : هي عبادته وحده ، كما قال تعالى : « من تقرب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا ، ومن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت إليه باعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » . والتقرب بحوله : هو الاستعانة والتوكل عليه ، فإنه لا حول ولا قوة إلا باللّه . وفي الأثر : « من سره أن يكون أقوى الناس ، فليتوكل على اللّه » . وعن سعيد بن جبير : التوكل جماع الإيمان . وقال تعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 3 ] . وقال : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ [ الأنفال : 9 ] . وهذا على أصحّ القولين في أنّ التوكل عليه بمنزلة الدعاء ، على أصح القولين أيضا ، سبب لجلب المنافع ودفع المضار ، فإنه يفيد قوة العبد وتصريف الكون ، وهذا هو الغالب على ذوي الأحوال متشرعهم وغير متشرعهم ، وبه يتصرفون ويؤثرون تارة بما يوافق الأمر ، وتارة بما يخالفه . وقوله : « ومن اتبع مرادنا » . يعني : المراد الشرعي ، كقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] . وقوله : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [ النساء : 28 ] . وقوله : ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [ المائدة : 6 ] . هذا هو طاعة أمره . وقد جاء في الحديث : « وأنت يا عمر ، لو أطعت اللّه لأطاعك » . وفي الحديث الصحيح : « ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه » . وقد قال تعالى : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ الشورى : 26 ] . وقوله : « ومن ترك من أجلنا أعطيناه فوق المزيد » . يعني : ترك ما كره اللّه من المحرم والمكروه لأجل اللّه ، رجاء ومحبّة ، وخشية ، أعطيناه فوق المزيد ؛ لأن هذا مقام الصبر . وقد قال تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] .